نزار المنصوري

58

النصرة لشيعة البصرة

وفي العقد الفريد ، وجمهرة رسائل العرب ، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد أنّ الجواب كان على هذه الصورة : « سلام عليك ، أمّا بعد ، فإنّ اللّه أمرك بأمر وأمرنا بأمر : أمرك أن تقري في بيتك ، وأمرنا أن نقاتل الناس حتى لا تكون فتنة ، فتركت ما أمرت به وكتبت تنهيننا عما أمرنا به ! فأمرك عندي غير مطاع ، وكتابك غير مجاب ، والسلام » . أما الأمويون فلم يكونوا ليراسلوا أنصارهم جهارا كما فعل طلحة والزبير وعائشة ، بل راحوا يكاتبون سرّا كل من يرجونه في أن يعين على الإمام عليّ عليه السّلام ويزعزع أركان خلافته ، وكأن في هذه المراسلة السرّية دلائل نفسيّة تفضح حقيقة أمرهم في حكم التأريخ ، فلو أنهم خرجوا على الإمام عليّ عليه السّلام للطلب بدم عثمان كما يزعمون ، لما وافقهم أن ينفردوا بمراسلة أنصارهم سرّا ، ولو أنّهم خرجوا على الإمام عليّ عليه السّلام نصرة للمثلث القرشي في خروجه على الخليفة ، لما نظروا في أمورهم على حدة من حيث لا يشعر الناس ، لقد كانوا يعملون على توجيه الأمر ناحيتهم وحدهم ، ويتصلون بمن يرجون على يده نصرتهم وحدهم ، فكان من ثمّ هذا العمل السرّي . من هذه الرسائل وهذه الأجوبة التي تبودلت بين أصحاب الجمل وأهل البصرة ، وبين الموالين لأهل الجمل في بعض الأمصار وغير الموالين ، يتبين لنا نظر أبناء ذلك العصر إلى أسباب الفتنة الحقيقية من جهة ، وإلى شخصية الإمام عليّ عليه السّلام من جهة ثانية ، كما يتبين لنا صور من العطف الشديد يوليه ذو والنيّات السليمة إلى ابن أبي طالب عليه السّلام ويحيطون به نظرة الحق وقوله الحق ! يتبين لنا كذلك أمر ذو بال ، وهو أن أنصار الإمام عليّ عليه السّلام من أهل البصرة لا يألون جهدا في أن ينصحوا لأصحاب الجمل بالكف عن الفتنة وفي أن يدعوهم لأن يلزموا العافية ويتدبّروا بالتي هي أحسن ، فكأنّهم ينزعون جميعا عن حنان الإمام وعن لسانه وقد علّمهم كثيرا بالسيرة وبالقول أنّ الفتنة من عمل الشيطان وأن السلم أولى ،